الموقع يعمل في وضع الاختبار!
30 سبتمبر, 2026   |   19 رَبِيع ٱلثَّانِي, 1448

مدينة طشقند
الفجر
05:00
شروق
06:18
الظهر
12:13
العصر
16:21
المغرب
18:11
العشاء
19:25
Bismillah
30 سبتمبر, 2026, 19 رَبِيع ٱلثَّانِي, 1448

السيوطي وتكامل النظرة الوضعية

20.06.2025   239228   10 min.
السيوطي وتكامل النظرة الوضعية

جمع الإمام جلال الدين السيوطي (ت. 911هـ) في رؤيته لمفهوم الوضع بين المعالجة النحوية الدقيقة والتحليل الكلامي العميق، فاستفاد من منهجَي الطائفتين ليقدّم تصورًا متكاملًا لهذا المفهوم المحوري. فقد عرّف الوضع بأنه "جعل اللفظ بإزاء المعنى أولًا"[1]، موضحًا بذلك أن الوضع هو بداية بناء الدلالة في الذهن واللسان، ويقوم على اتفاق جمعي إرادي يُعطي للفظ مدلوله الخاص. وقد أورد هذا التعريف ضمن كتابه الموسوعي "المزهر في علوم اللغة وأنواعها"، حيث خصص فصلًا مستقلًّا لأنواع الوضع، ناقش فيه أدواته وأنماطه ومجالات استعماله، معتبرًا أن هذا الفعل الذهني الاجتماعي يمثّل الحلقة الأولى في نشأة النظام اللغوي، ويُبرهن على أن اللغة نتاج تفاعل بين الاستعداد الفطري والاجتهاد الإنساني. ومن خلال هذا المنظور، قدّم السيوطي نظرية متوازنة لا تُقصي التوقيف، ولا تُهمل الاجتهاد، بل تجمع بينهما ضمن إطار معرفي دلالي منفتح.

وسار السيوطي على نهج وسطي يوازن بين التفسير التوقيفي الذي يُعلي من شأن الفطرة والإلهام، والتفسير الاصطلاحي الذي يركّز على التواضع البشري والتجربة الجماعية، فهو لم يُقصِ أثر البعد الإلهي في تعليم اللغة، لكنه في الوقت ذاته لم يغفل أثر الاجتهاد والعرف في بناء الدلالة، مؤكدًا أن اللغة نتاج تداخل بين الموهبة الفطرية والفاعلية الاجتماعية للمتكلمين.

كما ناقش السيوطي بتفصيل ظاهرة المشترك اللفظي، مبينًا أن الكلمة الواحدة قد تُستخدم لمعانٍ متعددة بحسب السياق، مما يستدعي النظر إلى السياق بوصفه محددًا أساسيًّا للمعنى. وقد أبرز دور السياق اللغوي والعقلي في توجيه الدلالة وتحديد المقصود من اللفظ، وهو ما يعكس تطور فهم الوضع إلى مستوى أكثر تركيبًا، يدمج بين البنية اللفظية والنية الخطابية والظروف المقامية، ويُمهّد لمفهوم تعدد المعنى المرتبط بالاستعمال.

علم الوضع في العصر الحديث

شهد العصر الحديث نهضة جديدة لعلم الوضع ضمن الإطار النظري للّسانيات المعاصرة، حيث أعيد النظر في كثير من مفاهيمه التراثية وأُعيد دمجها ضمن مقاربات علم العلامات (السيميائيات)، خاصة مع التداخل القوي بين اللسانيات والدراسات الفلسفية. وقد ساهم عدد من الباحثين العرب المعاصرين في إبراز أهمية علم الوضع، ومن أبرزهم الباحث العراقي محمد ذنون الراشدي، الذي قدّم قراءة تحليلية معمّقة لموقع هذا العلم في التراث اللغوي، حيث كتب في مقاله:

 "إن علم الوضع في التراث العربي يتميّز بصرامة منهجيّة وثراء دلالي لا يقلان عمّا طُرح في اللسانيات الغربية الحديثة، بل يُعدّ في كثير من جوانبه سابقًا لها من حيث التصور النظري والدقة التحليلية، كما أنه يُمثّل إحدى اللبنات التأسيسية لفهم بنية العلامة اللغوية في الفكر الدلالي، وذلك من خلال تناوله لمفاهيم الدال والمدلول والموضوع له بطريقة تقارب ما أرساه لاحقًا فلاسفة اللغة في الغرب"[2].

وقد أشار إلى أن مفاهيم مثل الدلالة، والمفهوم، والموضوع له، واللفظ، كلها مفاتيح للوصول إلى فهم شامل للغة. شهد العصر الحديث نهضة جديدة لعلم الوضع ضمن الإطار النظري للّسانيات المعاصرة، حيث أعيد النظر في كثير من مفاهيمه التراثية وأُعيد دمجها ضمن مقاربات علم العلامات (السيميائيات)، خاصة مع التداخل القوي بين اللسانيات والدراسات الفلسفية. وقد ساهم عدد من الباحثين العرب المعاصرين في إبراز أهمية علم الوضع، ومن أبرزهم الباحث العراقي محمد ذنون الراشدي، الذي قدّم قراءة تحليلية معمّقة لموقع هذا العلم في التراث اللغوي.

مراحل تطور علم الوضع

لقد مرّ علم الوضع منذ نشأته بتطور تدريجي عميق شمل المفاهيم والمنهج والتطبيق، ويمكن تقسيم هذا التطور إلى خمس مراحل رئيسية، تميزت كل واحدة منها بإسهامات نوعية على المستوى المعرفي والمنهجي:

مرحلة التمهيد والنشأة (القرنان الثاني والثالث الهجري): في هذه المرحلة ظهر علم الوضع في سياق الجدل حول أصل اللغة، وبرز ضمن مباحث النحو وأصول الفقه. وقد ناقش العلماء العلاقة بين اللفظ والمعنى، وظهر اتجاهان رئيسيان: التوقيفي الذي يرى أن اللغة من وحي إلهي، والاصطلاحي الذي يرى أن الوضع نتاج تواضع بشري. ومن أبرز من ناقش هذا الجانب ابن فارس (ت. 395هـ)، حيث قال في "الصاحبي": "أصل اللغة توقيف من الله جلّ وعز"[3]، وقد خالفه في ذلك الجبائي المعتزلي حين اعتبر أن "الوضع فعل عقلي يقوم على ملاءمة اللفظ للمعنى"⁸، مما يشير إلى تباين الرؤى في هذه المرحلة.

مرحلة التنظير الفلسفي والكلامي (القرنان الرابع والخامس الهجري): بدأ علم الوضع يكتسب استقلالًا نسبيًا من خلال معالجة فلاسفة الإسلام كابن سينا والفارابي، حيث نوقشت مسألة الوضع من منظور العقل والمنطق، وظهرت مفاهيم الوضع الذاتي والجماعي، وتم ربط الوضع بطبيعة المعرفة والإدراك. وقد أكد الفارابي (ت. 339هـ) في كتابه "إحصاء العلوم" أن "الوضع هو جعل الشيء بإزاء شيء بإرادة المتكلمين"[4]، وهو تعريف يكشف عن طبيعة التواضع الجماعي بوصفه فعلًا عقلانيًا تواصليًا.

مرحلة التصنيف والتقعيد البلاغي (القرنان السادس إلى الثامن الهجري): برز في هذه المرحلة دور البلاغيين والأصوليين كالتفتازاني والسكاكي والسيوطي، الذين وضعوا تقسيمات دقيقة للوضع من حيث عموميته وخصوصيته، وربطوه بالأساليب البيانية والمجازية، مما أدى إلى إثراء النظرية اللغوية وتوسيع دائرة تطبيقاتها. وقد أشار السكاكي (ت. 626هـ) في "مفتاح العلوم" إلى أهمية الوضع في تأسيس العلاقة بين الحقيقة والمجاز، واعتبر أن "فهم المجاز يتوقف على معرفة الوضع الأولي"[5].

مرحلة التكامل المنهجي والتوسّع الموسوعي (القرن التاسع الهجري): شهدت هذه المرحلة نضجًا نظريًّا لعلم الوضع في مؤلفات موسوعية مثل المزهر للسيوطي، حيث تم دمج بين الفقه اللغوي، والمنطق، والبلاغة في بناء نظرية وضعية متماسكة. وتم التمييز بين الوضع الأولي والاستعمال المجازي، وبين الوضع الخاص والعام، مما شكّل قاعدة صلبة للدراسات اللاحقة. وقد أشار السيوطي إلى أن "الوضع لا ينحصر في اللغة بل يتعداها إلى كل نظام رمزي يُنشأ بالتواضع"[6].

مرحلة التوظيف اللساني الحديث (القرن العشرون إلى اليوم): أعيد النظر في كثير من مفاهيم الوضع ضمن اللسانيات المعاصرة، خصوصًا في علم الدلالة والسيميائيات. وتم تبيين مدى سبق التراث العربي الإسلامي في طرح مفاهيم تُعد اليوم مركزية في علم اللغة، مثل العلاقة بين الدال والمدلول، وتعدد المعنى، والسياقية. وقد أشار تمام حسان (ت. 2011م) في كتابه "اللغة العربية معناها ومبناها" إلى أن "مفهوم الوضع كما طرحه ابن جني وابن سينا يُعد نواة لعلم العلامات الحديث"[7].

وبهذا، فإن علم الوضع تطوّر من كونه أداة تفسيرية في علم أصول الفقه إلى أن أصبح علمًا مستقلاً ذا طابع تركيبي ومعرفي، يستند إلى أبعاد لغوية، عقلية، واجتماعية، مما يجعله من أكثر العلوم التراثية اتساعًا وتأثيرًا.

 

يخشيبايوف محمد سعيد محمود

من صف الرابع. الفصل-405

 

[1] جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (849هـ - 911هـ): إمام محدث وفقيه ومؤرخ ولغوي موسوعي، له أكثر من 500 مؤلف، من أبرزها "المزهر في علوم اللغة وأنواعها"، القاهرة: مكتبة دار الكتب المصرية، 1320هـ، ص 45.

 

[2] محمد ذنون يونس فتحي الراشدي، "علم الوضع وأثره في الفكر اللغوي قديمًا وحديثًا"، مجلة كلية العلوم الإسلامية، جامعة بغداد، مجلد 8، عدد 15، 2014م، ص 121. (محمد ذنون الراشدي هو باحث عراقي معاصر، متخصص في قضايا الدلالة واللغة، أستاذ في جامعة بغداد، وله مؤلفات ومقالات علمية تهتم بجذور الفكر اللساني العربي ومقارنته بالنظريات الغربية الحديثة

[3] أحمد بن فارس بن زكريا (ت. 395هـ): لغوي ومعجمي فارسي الأصل، صاحب كتاب "الصاحبي"، من أبرز دعاة التوقيف في أصل اللغة، بيروت: دار الكتب العلمية، 1997م، ص 45.

[4] أبو نصر محمد بن محمد الفارابي (ت. 339هـ): فيلسوف الشرق، ومؤسس المنهج الفلسفي الإسلامي، ومن أشهر كتبه "إحصاء العلوم"، القاهرة: دار الفكر العربي، 1949م، ص 58.

[5] يوسف بن أبي بكر السكاكي (ت. 626هـ): عالم لغوي وبلاغي، صاحب كتاب "مفتاح العلوم" الذي أسّس لعلوم البلاغة، بيروت: دار الكتب العلمية، 2000م، ص 312.

[6] جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، (نفس المرجع أعلاه)132. ص 

[7] تمام حسان (1918م – 2011م): لُغوي مصري معاصر، صاحب نظرية الدلالة السياقية، من أشهر كتبه "اللغة العربية معناها ومبناها"، القاهرة: دار الثقافة، 1979م، ص 174.

 

مقالات أخرى

تستضيف بلادنا مؤتمرًا دوليا مرموقًا

23.09.2024   19103   5 min.
تستضيف بلادنا مؤتمرًا دوليا مرموقًا

في الدورة الثامنة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، طرح فخامة الرئيس شوكت ميرضيائيوف مقترحًا لعقد مؤتمر دولي حول موضوع "الإسلام - دين السلام والخير".

ويلفت المرسوم الرئاسي "بشأن الاحتفال الواسع بالذكرى الـ 1200 لميلاد الإمام الترمذي"، الذي تم اعتماده في 15 أغسطس من هذا العام، الانتباه إلى هذه القضية. وبناءً على ذلك، سيُعقد في مدينتي طشقند وخيوة في الفترة من 15 إلى 16 أكتوبر من هذا العام مؤتمر دولي تحت عنوان "الإسلام - دين السلام والخير".

إذا نظرت إلى تاريخ البشرية، فإن تطور الدولة وتقدمها يعتمد على حياة المجتمع المزدهرة والسلمية. ولهذا قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: "نعمتان  مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" (رواه الإمام البخاري). والسلام من أعظم نعم الله. علاوة على ذلك، فإن البعث في كل الأعمال الصالحة هو السلام. لذلك، ليس فقط ينبغي للناس أن يقدروا السلام ويشعروا بالامتنان ، بل يجب أيضًا أن يتجنبوا الإضرار به بالكفران.

 السلام يحتاجه الجميع، في كل مكان. لا يمكن للإنسان أن يحقق أهدافه وأحلامه في الحياة إلا إذا كان في الأمن والسلام. السلام هو راحة البال وتركيز العقل. إذا مرض طفل الإنسان أو كان بيته في ورطة، اضطرب عقله، واضطربت أفكاره، ولا يستطيع أن يفعل ما يفكر فيه.

 يسود الأمن حيث يسود السلام، ونتيجة لذلك، يتحقق هناك تقدم وتنمية شاملة في المجتمع. كما أن ثقة الناس وولاءهم لبعضهم البعض، تعتمد بشكل أساسي على الأمن والسلام.

في القرآن الكريم، أوكل الله إلى الإنسان مهمة حفظ السلام وتقديره، مؤكداً أن دين الإسلام يدعو إلى السلام، وأنه يجب عدم اتباع سبل الشيطان، ويقول: " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً" (سورة البقرة، الآية 208).

وذكر المفسرون أن هذه الكلمة الواحدة تدل على أنه يجب على جميع الناس أن يتحدوا ويتبعوا طريق السلام، ومن ناحية أخرى، تعني أنه من الضروري المساهمة بأي شكل من الأشكال في استقرار السلام. السلام هو شعار الإسلام. ولهذا يبدأ المسلمون تخاطبهم دائمًا بتمني السلام لبعضهم البعض. وقد أكد نبينا صلى الله عليه وسلم على أن السلام من أعمال يقود صاحبها إلى الجنة فقال: " يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعَمُوا الطَّعَامَ وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ". وفي حديث آخر: "مَا الْتَقَى رَجُلَانِ قَطُّ، إِلَّا كَانَ أَوْلَاهُمَا بِاللَّهِ الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ".

بفضل السلام، يمكن لشبابنا الحصول على تعليم آمن ومجاني. حاليًا، تدرس 105 فتاة في مدرستنا الإسلامية "خديجة الكبرى". وسوف تنقل الطالبات المتخرجات ما تعلمنه إلى أخواتنا. ونتيجة لذلك ستختفي البدع والخرافات بين النساء والفتيات إن شاء الله.

وفي الوقت نفسه، منذ عام 2017، تلقى إجمالي 2730 مواطنًا تعليمًا في دورات تعليم القرآن والتجويد.

هذه ليست مجرد أرقام بسيطة، با وإنها دليل عملي على أن العديد من العائلات قد استنارت، وكم عدد الأشخاص الآخرين الذين عرفوا الحقيقة من خلال هذا العدد الكبير من الأشخاص. قال فخامة الرئيس: الاستماع إلى القرآن هو روحانية عالية ونور. القرآن لا يدعو إلى الشر أبدا. إذا استطعنا استماع القرآن الكريم، فسيكون ذلك نجاحا وسيأتي إلينا النور".

وفي الواقع، لقد شهدنا في كثير من الأحيان سقوط البركات والنور على المكان الذي يقرأ فيه القرآن.

إذا حل السلام، ستكون حياة الناس مزدهرة، ويعبدون ربهم بسلام. سئل أحد الحكماء: ما النعمة؟ قال: "السلام لأنني لا أرى معنى في حياة إنسان خائف".

السلام نعمة عظيمة، ومن حق الإنسانية أن تنفق من أجلها كل شيء، سواء كان ثميناً أو رخيصاً: الذكاء والثروة والطاقة، للحفاظ عليه!

حياة الناس في وئام، وراحتهم، تعتمد على السلام. والسلام نعمة، وبدونه تصبح حياتنا عديمة اللون ولا معنى لها. حيث لا يوجد سلام، لا يتم إنتاج المعرفة ولا التنوير.

نسأل الله أن يجعل بلادنا آمنة وحياة شعبنا أكثر ازدهارا.

مريم عبد الله يوفا

مديرة مدرسة "خديجة الكبرى" للبنات.